
الصورة: مخطط توضيحي لآلية التغذية والتصريف في الصخور الكارستية؛
لا يمثل مقطعًا جيولوجيًا فعليًا للكفرون أو حوض العاصي.
في يوم صيفي جاف، قد يبدو استمرار جريان النهر أو تدفق النبع أمرًا
محيرًا: أين تأتي المياه بعدما تتوقف الأمطار ويختفي الثلج الموسمي؟ الجواب،
في كثير من مناطق بلاد الشام، لا يُرى على سطح الجبل؛ إنه في الخزان الجوفي
داخل الصخور.
ما معنى «كارست»؟

صورة توضيحية متخيلة: تسرب الأمطار عبر فواصل الصخور الكلسية؛ لا
تمثل موقعًا حقيقيًا محددًا.
تتكون التضاريس الكارستية عندما تتفاعل مياه الأمطار، بما تحمله من ثاني
أكسيد الكربون، مع الصخور القابلة للذوبان، ولا سيما الحجر الكلسي
والدولوميت. عبر زمن جيولوجي طويل تتسع الشقوق والفواصل، وقد تتكون قنوات
وكهوف ومسارات تحت سطح الأرض. تهبط مياه الشتاء عبر هذه الفتحات إلى طبقات
مشبعة بالماء، ثم تتحرك تحت تأثير فرق المناسيب والضغط حتى تجد منفذًا في
هيئة نبع.
يشبه وصف الجبل بأنه «إسفنجة» الصورة من حيث احتفاظه بالماء ثم تصريفه،
لكنه تبسيط يحتاج إلى ضبط: الجزء الأكبر من التخزين قد يكون في
مسام الصخر وشقوقه الصغيرة، بينما تسمح الشقوق الواسعة والقنوات بانتقال
الماء بسرعة أكبر. لهذا يستجيب بعض الينابيع سريعًا للعواصف، فيما
يستمر جزء من تصريفها بفضل الماء المخزون الذي يخرج تدريجيًا خلال الأشهر
الجافة.
لماذا لا يشترط وجود ثلج دائم؟
لا يحتاج النبع إلى غطاء ثلجي طوال العام كي يجري صيفًا. فأمطار الشتاء،
ومعها ذوبان الثلوج حين تتساقط، تغذي الطبقات المائية. ما يظهر في الصيف هو
جزء من المياه التي تسربت وخُزنت سابقًا. ويتوقف مقدار التدفق ومدته على
مساحة التغذية، وسماكة الطبقات، وطبيعة التشققات، وكميات المطر، والضخ
البشري. لذلك قد يضعف نبع أو يجف في سنوات الجفاف؛ ولا يصح القول إن كل نبع
كارستي مضمون الغزارة دائمًا.

صورة توضيحية متخيلة: ظهور المياه الجوفية عند سفح الصخور وتغذية
مجرى مائي في فصل جاف.
الكفرون ووادي
النضارة: تفسير محتمل يحتاج إلى قياس
تقدم ينابيع منطقة الكفرون ووادي النضارة مثالًا قريبًا لفكرة استمرار
تغذية المجاري المائية بعد موسم المطر. وجود الصخور الكلسية والتشققات يجعل
مساهمة المياه الجوفية تفسيرًا هيدروجيولوجيًا معقولًا، لكن لا يمكن
من شكل الجبل أو دوام الجريان وحدهما تحديد حدود حوض التغذية أو إثبات أن
نبعًا بعينه يتصل بقناة كارستية معينة. يتطلب ذلك خرائط جيولوجية،
وقياس تصريف الينابيع عبر الفصول، وتحليل المياه، وأحيانًا تجارب تتبع بصبغة
آمنة.
العاصي وعين الزرقاء: مثال
موثق
في أعالي حوض العاصي، يعد نبع عين الزرقاء قرب الهرمل في
Lebanon من أهم مصادر مياه النهر. تصف دراسات الحوض خروجه من منظومة
مائية جوفية مرتبطة بطبقات كلسية من العصرين الجوراسي والطباشيري. وتشير
المقاطع الهيدروجيولوجية إلى أن تغذية هذه الطبقات تأتي أساسًا من
جبال لبنان الشرقية في الجزء المدروس، ثم تظهر المياه في
الينابيع عند مواضع تسمح بها بنية الصخور والصدوع. وتضاف إلى النهر ينابيع
أخرى وروافد على امتداد مجراه؛ فلا يُختزل العاصي كله في نبع واحد.
وهذا يفسر كيف يستطيع مجرى العاصي أن يحتفظ بتدفق في فترات لا يسقط فيها
مطر محلي: جزء من مائه يصل إليه من تصريف الخزان الجوفي. لكنه لا يعني ثبات
المنسوب دائمًا؛ فالجفاف والسحب من المياه الجوفية وتحويل المياه للري قد
تغير التصريف، وقد وثقت دراسات الحوض تراجع بعض الينابيع وجفاف أخرى.
حماية النبع تبدأ من منطقة
تغذيته
قد تبعد منطقة سقوط المطر عن النبع كيلومترات، ومع ذلك تصل الملوثات عبر
الشقوق والقنوات إلى الخزان بسرعة. لهذا لا تكفي حماية فتحة النبع وحدها.
المطلوب معرفة مناطق التغذية، ومنع تصريف الملوثات فيها، وضبط الضخ،
ومراقبة نوعية المياه وتصريف الينابيع على مدار السنة.
الجبال الكلسية ليست خزانات مغلقة تحت الأرض، بل منظومات مائية
حية: يدخلها المطر، يُخزن جزء منه، يمر جزء آخر عبر الشقوق، ثم
يعود إلى السطح ليغذي الينابيع والأنهار. وفهم هذه الدورة هو الخطوة الأولى
لحماية مياه الكفرون والعاصي وسائر ينابيع بلاد الشام.
مراجع للتحقق
- هيئة المسح الجيولوجي الأمريكية (USGS)، Karst
Aquifers: آلية ذوبان الصخور، التخزين والحركة، وحساسية التلوث. - برنامج جرد الموارد المائية المشتركة في غرب آسيا، حوض
نهر العاصي، الفصل 7: مساهمة عين الزرقاء والتصريف صيفًا. - Atlas
of the Orontes Basin Rivers، قسم المياه الجوفية والينابيع والمقاطع
الجيولوجية: مصادر العاصي ومواضع تغذية الخزانات الجوفية.
